فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الفخر:

قال ابن عباس، أي وما يهلكون إلا أنفسهم بسبب تماديهم في الكفر وغلوهم فيه وما يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من الكفر والمعصية، والله أعلم. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَإِن يُهْلِكُونَ} أي وما يهلكون بذلك {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه وهو عذاب الضلال والإضلال.
وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ} حال من ضمير {يُهْلِكُونَ} أي يقصرون الإهلاك على أنفسهم والحال أنهم غير شاعرين (أي) لا بإهلاكهم أنفسهم ولا باقتصار ذلك عليها من غير أن يضروا بذلك شيئًا من القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما عبر عنه بالإهلاك مع أن المنفي عن غيرهم مطلق الضرر للإيذان بأن ما يحيق بهم هو الهلاك لا الضرر المطلق.
على أن مقصدهم لم يكن مطلق الممانعة فيما (ذكروا) بل كانوا يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو نظام عقد لآلئ الآيات القرآنية.
وجوز أن يكون الإهلاك معتبرًا بالنسبة إلى الذين يضلونهم بالنهي فقصْره على أنفسهم حينئذ مع شموله للفريقين مبني على تنزيل عذاب الضلال عند عذاب الإضلال منزلة العدم.
ونفي الشعور على ما في البحر أبلغ من نفي العلم كأنه قيل: وما يدركون ذلك أصلًا. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والقصر في قوله: {وإنْ يهْلِكُون إلاّ أنْفسهم} قصر إضافي يفيد قلب اعتقادهم لأنّهم يظنّون بالنهي والنأي عن القرآن أنّهم يضرّون النبي صلى الله عليه وسلم لئلاّ يتّبعوه ولا يتّبعه الناس، وهم إنّما يُهلكون أنفسهم بدوامهم على الضلال وبتضليل الناس، فيحملون أوزارهم وأوزار الناس، وفي هذه الجملة تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وأنّ ما أرادوا به نكايته إنّما يضرّون به أنفسهم.
وأصل الهلاك الموت.
ويطلق على المضرّة الشديدة لأنّ الشائع بين الناس أنّ الموت أشدّ الضرّ.
فالمراد بالهلاك هنا ما يلقونه في الدنيا من القتل والمذلّة عند نصر الإسلام وفي الآخرة من العذاب.
والنأي: البعد.
وهو قاصر لا يتعدّى إلى مفعول إلاّ بحرف جرّ، وما ورد متعدّيًا بنفسه فذلك على طريق الحذف والإيصال في الضرورة.
وعقّب قوله: {وإن يهلكون إلاّ أنفسهم} بقوله: {وما يشعرون} زيادة في تحقيق الخطأ في اعتقادهم، وإظهارًا لضعف عقولهم مع أنّهم كانوا يعدّون أنفسهم قادة للناس، ولذلك فالوجه أن تكون الواو في قوله: {وما يشعرون} للعطف لا للحال ليفيد ذلك كون ما بعدها مقصودًا به الإخبار المستقلّ لأنّ الناس يعُدّونهم أعظم عقلائهم. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}.
في هذه الآية إشارة صعبة (لمن) يدعو إلى الحق جهرًا ثم لا يأتي بذلك سرًا.
ويقال خالَفَتْ أحوالُهم قضايا أقوالهم، وجرى إجرامُهم مجرى مَنْ ألقوا حِبالَهم على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعلُه. اهـ.

.من فوائد القرطبي في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} النَّهي الزجر، والنأيُ البعد، وهو عام في جميع الكفار أي ينهون عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وينأون عنه؛ عن ابن عباس والحسن.
وقيل: هو خاص بأبي طالب ينهى الكفار عن إذاية محمد صلى الله عليه وسلم، ويتباعد عن الإيمان به؛ عن ابن عباس أيضًا.
وروى أهلُ السِّير قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يومًا وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل لعنه الله: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته.
فقام ابن الزِّبَعْرَى فأخذ فَرَثا ودمًا فَلَطَّخَ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فانفتل النبيّ صلى الله عليه وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عَمَّه فقال: «يا عمّ ألا ترى إلى ما فُعِل بي» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن الزِّبَعْرَى؛ فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم؛ فلما رأُوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون؛ فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجَلَّلْتُهُ بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال؛ يا بنيّ من الفاعل بك هذا؟ فقال: عبد الله بن الزِّبَعْرَي فأخذ أبو طالب فَرْثًا ودمًا فلطَّخَ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول؛ فنزلت هذه الآية: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمّ نزلت فيك آية» قال: وما هي؟ قال: «تمنع قريشًا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي» فقال أبو طالب:
واللَّهِ لن يَصلُوا إليك بجمعهم ** حتّى أُوسَّدَ في التُّراب دَفِينَا

فاصدع بأمرك ما عليكَ غضاضةٌ ** وابْشرْ بذاك وَقَرَّ منك عُيونَا

ودَعوتَني وزعمت أنك ناصحِي ** فلقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أَمينَا

وَعَرضتَ دِينًا قد عرفتُ بأنّهُ ** مِن خَير أَديانِ البرِيَّةِ دِينَا

لولا الملامةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍ ** لوجَدْتَنِي سَمْحًا بذاكَ يَقِينًا

فقالوا: يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته؟ قال: «نعم دفع عنه بذاك الغُلّ ولم يُقْرَن مع الشياطين ولم يَدخل في جُبّ الحيّات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابًا».
وأنزل الله على رسوله {فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل} [الأحقاف: 35] وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا تُعيِّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزَع لأقررتُ بها عينك؛ فأنزل الله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56]
كذا الرواية المشهورة «الجَزَع» بالجيم والزاي ومعناه الخوف.
وقال أبو عُبيد: «الخرَع» بالخاء المنقوطة والراء المهملة.
قال يعني الضّعف والخَوَر، وفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه» وأما عبد الله بن الزِّبَعْري فإنه أسلم عام الفتح وحَسُن إسلامه، واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل عذره؛ وكان شاعرًا مجيدًا؛ فقال يمدح النبيّ صلى الله عليه وسلم، وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره؛ منها قوله:
مَنع الرُّقادَ بَلابلٌ وهُمومُ ** واللَّيلُ مُعْتَلِجُ الرِّواق بَهِيمُ

مِمّا أَتاتي أَنّ أحمد لاَمَنِي ** فيه فبِتّ كأنّني مَحُمُومُ

يا خيرَ من حَمَلْت على أَوْصَالِهَا ** عَيْرَانةٌ سُرُحُ اليدينِ غَشُومُ

إنِّي لمعتذرٌ إليكَ من الَّذي ** أسْدَيْت إذْ أَنَا في الضَّلال أَهِيمُ

أيامَ تأمُرني بأَغْوَى خُطَّةٍ ** سَهْمٌ وتأمُرني بها مَخْزُومُ

وَأَمَدُّ أسبابَ الرَّدَى ويَقودُني ** أَمرُ الغُواةِ وأَمْرُهم مَشْئُومُ

فاليومَ آمنَ بالنبيّ مُحمَّدٍ ** قَلْبِي ومُخْطِئُ هذه مَحْرُومُ

مَضَتِ العداوةُ فانقضتْ أسبابُها ** وأَتتْ أَواصِر بيننا وحُلُومُ

فاغفرْ فِدًى لكَ والِدَايَ كِلاهُمَا ** زَلَلِي فإنّكَ راحمٌ مَرْحومُ

وعليكَ من سِمَة المليكِ عَلاَمَةٌ ** نُورٌ أغرُّ وخاتم مَخْتومُ

أَعطاكَ بعدَ مَحبَّةٍ بُرْهانَهُ ** شَرَفًا وبُرْهَانُ الإلهِ عَظيمُ

ولقد شَهِدتُ بأنّ دينكَ صادقٌ ** حَقًّا وأنَّكَ في العباد جَسِيمُ

واللَّهُ يشهدُ أنّ أحمدَ مُصْطفًى ** مُستقبَلٌ في الصّالحين كَرِيمُ

قَرْمٌ علاَ بنيانُه من هاشمٍ ** فَرْعٌ تَمكَّنَ في الذُّرَى وأَرُومُ

وقيل: المعنى {يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أي هؤلاء الذين يستمعون ينهون عن القرآن {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}.
عن قَتَادة؛ فالهاء على القولين الأوّلين في {عنه} للنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى قول قَتَادة للقرآن.
{وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} {إن} نافية أي وما يهلكون إلاَّ أنفسهم بإصرارهم على الكفر، وحملهم أوزار الذين يَصدُّونهم. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}.
والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يريد أن يهتدي، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان، فكأنه ارتكب جريمتين: جريمة كفره، وجريمة نهي غيره عن الإيمان.
لقد كانت قريش على ثقة من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به، لذلك أوصى بعضهم بعضًا ألا يسمعوا القرآن، وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجًا يحول بين السامع للقرآن وتدبره. {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].
إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات، وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود والنكران. وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثرًا في الفطرة الطبيعية للإنسان، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية. ومع ذلك ظل الكافرون على عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء. ولم يكتفوا بضلال أنفسهم، بل أرادوا إضلال غيرهم، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من يضلونهم، ولم يؤثر ذلك على مجرى الدعوة ولا على البلاغ الإيماني من محمد عليه الصلاة والسلام؛ ذلك أن الحق ينصره على الرغم من كل هذا؛ فهو سبحانه وتعالى القائل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171- 173].
وحين يقول الحق سبحانه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26].
نعرف أن المقصود بذلك القول هم المعارضون لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عارضوها لأنها ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو، وجبروت، واستخدام للضعفاء. وذلك ما جعلهم يقفون من الدعوة موقف النكران لها والكفران بها.
وما داموا قد وقفوا من الدعوة هذا الموقف، فلم يكن من حظهم الإيمان، ولأنهم نأوا وبعدوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خسروا، أما غيرهم فلم ينأى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل إنه أوى إلى الله فآواه الله.
إنّ هؤلاء الجاحدين المنكرين لدعوة رسول الله وقفوا أمام دعوته وصدوا الناس عنها ونهوهم عن اتباعها؛ لأن هذه الدعوة ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو وجبروت واستخدام الضعفاء وتسخيرهم في خدمتهم وبسط سلطاتهم عليهم. هذا- أولًا- هو الذي دفعهم إلى منع غيرهم ونهيهم عن اتباع الإسلام، ثم هم- ثانيًا- ينأون ويبتعدون عن اتباع الرسول،- إذن- فمن مصلحتهم- أولًا- أن ينهوا غيرهم قبل أن ينأوا هم؛ لأنه لو آمن الناس برسول الله وبقوا هم وحدهم على الكفر أيستفيدون من هذه العملية؟ لا يستفيدون- إذن- فحرصهم- أولًا- كان على ألا يؤمن أحد برسول الله لتبقى لهم سلطتهم.
وجاء الأداء القرآني معبرًا عن أدق تفاصيل هذه الحالة فقال: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فالبداية كانت نهي الآخرين عن الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ابتعادهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار حظهم أن يظلوا على كفرهم فكان الخسران من نصبيهم، بينما آمن غيرهم من الناس.
وهكذا نرى أن الأداء القرآني جاء معبرًا دائمًا عن الحالة النفسية أصدق تعبير، فقول الحق: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} قول منطقي يعبر عن موقف المعارضين لرسول الله أما قوله الحق: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} فهذا تصوير لما فعلوه في أنفسهم بعد أن منعوا غيرهم من اتباع الدعوة المحمدية والرسالة الخاتمى. فهم بذلك ارتكبوا ذنبين: الأول: إضلال الغير، والثاني: ضلال نفوسهم. وبذلك ينطبق عليهم قول الحق سبحانه: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ} [النحل: 25].
ولا يقولن أحد: إن هذه الآية تناقض قول الحق سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الإسراء: 15].
ذلك لأن الوزريْن: وزرهم، ووزر إضلالهم لغيرهم من فعلهم.